د. ابراهيم وحيد شحاته يكتب : آفاق النمو ورؤية لإقتصاد مصر عام 2026



د. ابراهيم وحيد شحاته يكتب :
 آفاق النمو ورؤية لإقتصاد مصر عام 2026

رحلة من التشديد النقدي إلى التيسير… وتحديات جيوسياسية لا تزال قائمة

القاهرة – تقرير خاص

بعد سنوات متتالية من الضغوط الاقتصادية وأسعار الفائدة القياسية التي أثقلت كاهل المستثمرين والمواطنين على حد سواء، يطل عام 2026 بوصفه نقطة تحول محتملة في مسار الاقتصاد المصري. وبين مؤشرات إيجابية توحي بانفراجة تدريجية، وتحديات جيوسياسية إقليمية ودولية لا يمكن تجاهلها، يقف الاقتصاد المصري عند مفترق طرق حاسم:
هل اقترب بالفعل وقت “التنفس” بعد سنوات من الاختناق المالي، أم أن العام الجديد يحمل معه تحديات من نوع مختلف؟


من أين بدأنا؟ قراءة في المشهد الراهن

تُظهر أحدث بيانات البنك المركزي المصري، الصادرة بنهاية ديسمبر 2025، حالة من الاستقرار النسبي في المؤشرات النقدية، وإن ظلت عند مستويات مرتفعة تاريخيًا. فقد استقر سعر الإيداع لليلة واحدة عند 20%، مقابل ذروة بلغت 27.25% في فبراير 2023، بينما سجل سعر الإقراض 21% بعد أن لامس 28.25% في الفترة نفسها.

أما التضخم السنوي، فقد تراجع إلى 12.3% في نوفمبر 2025، بعد أن بلغ ذروته عند 38% في سبتمبر 2023، في انعكاس مباشر لتأثير السياسات النقدية المتشددة التي اتبعها البنك المركزي. وخلال عام 2025، خُفّضت أسعار الفائدة خمس مرات بإجمالي 625 نقطة أساس.

بالنسبة للمواطن وصاحب المشروع، هذا التحول لم يكن نظريًا فقط؛ فقرض بقيمة 100 ألف جنيه كان يكلّف نحو 27 ألف جنيه فوائد سنوية في 2023، بات اليوم يكلّف قرابة 21 ألف جنيه، وهو فارق ملموس خاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.


صندوق النقد الدولي: من إدارة الأزمة إلى دعم التعافي

في 22 ديسمبر 2025، أعلن صندوق النقد الدولي التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع السلطات المصرية بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج التسهيل الممتد، إضافة إلى المراجعة الأولى لتسهيل المرونة والاستدامة، وهو ما اعتُبر إشارة دولية داعمة لمسار الاستقرار الاقتصادي.

وأشار الصندوق إلى تحسن ملحوظ في النشاط الاقتصادي، حيث سجل النمو 4.4% في السنة المالية 2024/2025، مقابل 2.4% في العام السابق، وتسارع إلى 5.3% في الربع الأول من 2025/2026. وجاء هذا الأداء مدفوعًا بالصناعات التحويلية غير النفطية، والنقل، والخدمات المالية، والسياحة.

كما تحسن ميزان المدفوعات بدعم من قوة التحويلات وإيرادات السياحة، إلى جانب نمو الصادرات غير النفطية. وارتفعت احتياطيات النقد الأجنبي إلى 56.9 مليار دولار، فيما بلغ رصيد استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلية نحو 30 مليار دولار.

رغم ذلك، أكد الصندوق أن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تزال منخفضة نسبيًا، ما يستدعي استمرار الإصلاحات المالية دون الإضرار بالإنفاق الاجتماعي، خصوصًا برامج الحماية مثل “تكافل وكرامة”.


توقعات 2026: تيسير نقدي… لكن بحذر

تشير تقديرات بيوت الخبرة المحلية والدولية إلى استمرار دورة خفض أسعار الفائدة خلال 2026، مع اختلاف في وتيرة وعمق التخفيض:
 • EFG Hermes: خفض 5–6%، تضخم 8–10%، نمو 5%.
 • الأهلي فاروس: خفض 7–8%، تضخم 10–11%.
 • CI Capital: خفض 6%، تضخم نحو 11%.
 • مباشر المالية: خفض 6%، نمو قد يصل إلى 5.6%.
 • العربية أون لاين: خفض 6–7% بشرط غياب الصدمات.
 • Fitch Solutions: الأكثر تحفظًا، بخفض متوقع 6% فقط.

الخلاصة أن سعر الإيداع قد يستقر بنهاية 2026 في نطاق 13–15%، مع تضخم بين 8–11%، ونمو اقتصادي يتراوح بين 4.3% و5.6%.


قناة السويس: تعافٍ تدريجي بعد عام استثنائي

تأثرت قناة السويس بشدة خلال 2024 نتيجة اضطرابات البحر الأحمر، لكن بيانات النصف الثاني من 2025 أظهرت بداية تعافٍ ملحوظ. وتستهدف الهيئة تحقيق إيرادات بين 5 و6 مليارات دولار في 2025/2026، ترتفع تدريجيًا إلى 8 مليارات دولار في 2026/2027.

عودة الاستقرار الملاحي لا تعني فقط تحسن موارد النقد الأجنبي، بل تخفيف الضغوط التضخمية الناتجة عن تكاليف الشحن العالمية.


التحويلات من الخارج: العمود الفقري للعملة الصعبة

سجلت تحويلات المصريين بالخارج أرقامًا قياسية خلال 2025، حيث بلغت 36.5 مليار دولار في السنة المالية 2024/2025، مدفوعة بتوحيد سعر الصرف وتحسن قنوات التحويل الرسمية. هذه التدفقات لعبت دورًا حاسمًا في دعم الاحتياطيات واستقرار سعر الصرف.


التحديات الجيوسياسية: عامل عدم اليقين الأكبر

رغم التحسن الاقتصادي، لا تزال المخاطر الجيوسياسية قائمة:
 • الحرب في غزة وتداعياتها الإقليمية
 • التوترات في البحر الأحمر
 • الصراع في السودان
 • التباطؤ الاقتصادي العالمي
 • السياسات التجارية الأمريكية الجديدة

هذه العوامل تظل قادرة على تغيير المعادلة الاقتصادية بسرعة، ما يفرض على صانع القرار الحفاظ على هامش أمان واسع.


الخلاصة: بداية طريق… لا نهايته

عام 2026 يبدو أقرب ما يكون إلى بداية الخروج من النفق، لا نهايته. المؤشرات الكلية تتحسن، والسياسة النقدية تتجه للتيسير، والاقتصاد يُظهر قدرة على الصمود.

لكن النجاح الحقيقي لن يُقاس بانخفاض الفائدة وحده، بل بقدرة الاقتصاد على:
 • خلق وظائف حقيقية
 • دعم القطاع الخاص المنتج
 • تحسين مستوى معيشة المواطن
 • تحويل الاستقرار إلى نمو مستدام

السؤال لم يعد: هل اقترب وقت التنفس؟
بل: هل نستطيع الحفاظ عليه وتحويله إلى حياة اقتصادية طبيعية؟

الإجابة ستتضح خلال الاثني عشر شهرًا القادمة.


 بقلم: د. إبراهيم وحيد شحاتة
مدير تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة
استشاري التمويل المستدام
ومدرب معتمد للتنمية المستدامة

هذا التقرير تحليلي إخباري ولا يُعد توصية استثمارية. البيانات والتوقعات قابلة للتغير وفق المستجدات الاقتصادية والجيوسياسية
تعليقات